لم تأتِ الغارات الجوية التي مزقت مخيمات التعدين الأهلي للذهب قرب الحدود السودانية المصرية، السبت، من فراغ. فالتعامل معها باعتبارها انفجارًا مفاجئًا للعنف يُغفل القصة الأوسع التي تكشف كيف أصبحت الحرب في السودان متشابكة مع مصالح جارته الشمالية.
ووصف ناجون طائرات استهدفت موقعًا يعمل فيه آلاف المعدّنين خمس مرات على الأقل، فيما أفادت مجموعة «محامو الطوارئ»، وهي منظمة حقوقية سودانية، بمقتل ما لا يقل عن 72 عاملًا، بينما تجاوزت تقديرات تحالف السودان التأسيسي ومجموعات سياسية مدنية 200 قتيل. وحذّرت شبكة أطباء السودان من أن الحصيلة الحقيقية مرشحة للارتفاع، في ظل إصابة مئات الأشخاص وصعوبة إجلائهم بسبب وعورة التضاريس. وهذه هي المرة الثانية التي تتعرض فيها المنطقة نفسها لهجوم خلال العام الجاري، بعد غارة في يونيو أودت بحياة 23 عاملًا على الأقل.
وبحسب تحليل نشره موقع «هورن ريفيو» بقلم الباحث سورافيل تسفاي، فإن فهم أسباب استهداف هذه المنطقة القريبة من مثلث حلايب مرارًا يتطلب العودة إلى الأشهر الأولى من الحرب، وتتبع تطور الموقف المصري من الدعم الدبلوماسي الحذر إلى الانخراط العسكري المباشر.
من الدعم الدبلوماسي إلى التدخل العسكري المصري في السودان
عندما اندلعت المواجهات في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، اتجهت القاهرة في البداية إلى مساندة حكومة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، من دون الزج بقواتها في القتال. وكانت طائرات عسكرية مصرية تتمركز في مطار مروي، الذي شهد بعض الاشتباكات الأولى في الحرب، قبل أن تستولي قوات الدعم السريع على 28 جنديًا مصريًا هناك. وأكدت القاهرة أن وجود الجنود اقتصر على المشاركة في تدريبات عسكرية مشتركة، لكن الواقعة كشفت مدى سرعة تحوّل المصالح المصرية في السودان إلى رهينة للصراع.
وبحلول عام 2024، اتهمت قوات الدعم السريع مصر علنًا بتنفيذ قصف جوي في محيط الخرطوم، ما أظهر أن العلاقة بين القاهرة والقوات المسلحة السودانية تجاوزت حدود التنسيق الدبلوماسي.
وشكّل سقوط الفاشر في أكتوبر 2025 نقطة تحول حاسمة في الموقف المصري. فقد وصف رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة بأنها خط أحمر، وبدأت القاهرة تقديم دعم عسكري مباشر كانت تتجنبه في السابق.
وكشفت صور الأقمار الصناعية التي راجعتها وكالتا رويترز وصحيفة «نيويورك تايمز» أن مصر نشرت طائرات مسيّرة تركية الصنع من طراز «بيرقدار أقنجي» في مهبط طائرات ناءٍ بمنطقة شرق العوينات، قرب الحدود السودانية. كما أبلغ مسؤولان أمنيان مصريان رويترز بأن مطارات في جنوب البلاد حصلت على معدات عسكرية لتنفيذ ضربات دفاعًا عن الأمن القومي.
وبحلول مطلع عام 2026، أشارت تقارير إلى أن الطائرات المسيّرة المصرية تنفذ ضربات ضد أهداف لقوات الدعم السريع داخل السودان منذ ستة أشهر على الأقل، مستهدفة قوافل الإمداد ومواقع القوات شبه العسكرية. كذلك أفادت تقارير بأن مقاتلات مصرية من طراز «ميج-29» استهدفت قوافل لقوات الدعم السريع كانت تتحرك من شرق ليبيا إلى السودان، عبر أحد أهم المسارات اللوجستية التي تعتمد عليها القوات.
تجارة الذهب غير الرسمية تربط الاقتصاد باستراتيجية الحرب
تكمن الصلة بين العمليات العسكرية ومناجم الذهب القريبة من مثلث حلايب في المنطق الاقتصادي الذي يغذي طرفي الحرب السودانية. وتشير أبحاث معهد تشاتام هاوس إلى أن ما يصل إلى 60% من إنتاج السودان غير الرسمي من الذهب يتجه إلى مصر، حيث يدخل في قنوات التداول الرسمية.
وفي عام 2025، استوردت مصر 4.9 أطنان من الذهب السوداني بقيمة 517 مليون دولار، بزيادة قدرها عشرون ضعفًا مقارنة بالعام السابق. وكانت الحكومة المصرية قد ألغت الرسوم الجمركية على واردات الذهب في مايو 2023، وهو قرار سهّل دخول الذهب السوداني عبر الحدود.
ومع سيطرة القوات المسلحة السودانية على أكبر مناطق إنتاج الذهب، أخذت تمرر كميات متزايدة منه عبر مصر لتمويل مجهودها الحربي، بينما تموّل قوات الدعم السريع عملياتها من خلال تهريب الذهب من دارفور وكردفان.
وبالنسبة إلى القاهرة، تحقق تجارة الذهب غير المشروعة هدفين في آن واحد؛ إذ توفر عملة صعبة تساعد على استقرار الاقتصاد المصري وسط الضغوط المالية المحلية، كما تمنح مصر نفوذًا على القوات المسلحة السودانية التي تعتمد على مسارات الإمداد المصرية للحصول على الأسلحة والذخائر.
وتقع مواقع التعدين القريبة من مثلث حلايب عند تقاطع هذه المصالح. ويبدو أن الغارات الجوية تستهدف إعادة توجيه تجارة الذهب إلى قنوات تستطيع مصر التحكم فيها، عبر تعطيل شبكات الإمداد القبلية المستقلة التي كانت تقوّض الأسعار التي تحددها الدولة وتتحدى سيطرة السلطات المصرية على الحدود.
وعقب غارات يونيو، نفذت قوات الأمن المصرية ما وصفته بعملية واسعة النطاق لمكافحة تعدين الذهب غير القانوني داخل الأراضي المصرية، واعتقلت أكثر من 200 شخص، بينهم أجانب. واتهمت مجموعة «محامو الطوارئ» السلطات المصرية بالسعي إلى توسيع سيطرتها على الموارد الطبيعية السودانية وترسيخها.
ولم تعلن القاهرة مسؤوليتها عن غارات السبت، كما لم تصدر أي تعليق علني بشأنها. لكن تكرار استهداف المنطقة نفسها مرتين خلال بضعة أشهر، في ظل استمرار المصالح الاقتصادية ذاتها، يجعل تجاهل هذا النمط أمرًا صعبًا.
غارات حلايب تكشف تداخل المصالح الاقتصادية والعسكرية
لا تكمن الأهمية الأكبر لهجوم السبت مقارنة بغارات يونيو في عامل جديد بعينه، بل في تراكم أبعاد التدخل المصري على مدى السنوات الثلاث الماضية. فقد تحول الدعم الدبلوماسي الذي قدمته القاهرة في عام 2023 إلى دعم عسكري، ثم تطور الدعم العسكري إلى عمليات مستمرة بالطائرات المسيّرة انطلاقًا من قواعد قريبة من الحدود السودانية، فيما أصبحت المصالح الاقتصادية التي جذبت مصر إلى الحرب في البداية متشابكة على نحو يصعب فصله عن الاستراتيجية العسكرية التي تغذيها.
ولم يكن عمال المناجم الذين قُتلوا قرب مثلث حلايب مقاتلين بالمعنى التقليدي، لكنهم كانوا يعملون في منطقة بات من المستحيل فيها الفصل بين الأبعاد الاقتصادية والعسكرية للحرب. وتذكّر الغارات التي أودت بحياتهم بأن الصراع السوداني لم يعد منذ فترة طويلة شأنًا داخليًا محضًا.
فالذهب الذي كانوا ينقبون عنه يمول الجيوش المتقاتلة على أرض بلادهم، وقد حوّل السعي وراء هذا المعدن المناطق الحدودية إلى ساحات يُنظر فيها إلى المدنيين باعتبارهم عوائق، لا بشرًا تستحق حياتهم الحماية والتقدير.
وعليه، لا يمثل هجوم السبت مجرد مأساة وقعت في منطقة حدودية نائية، بل يعكس أحدث تجليات اقتصاد حرب يترسخ منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولا يمكن فهمه إلا في ضوء تشابك المصالح الاقتصادية والعسكرية التي باتت تحكم الصراع في السودان.
https://hornreview.org/2026/10/12/egypts-attack-on-sudans-gold-mines-and-the-long-road-that-led-to-it/

